الحارث المحاسبي
313
الرعاية لحقوق الله
باب في الرجل يدع بعض النوافل إشفاقا على الناس أن يعصوا اللّه عز وجل فيه قلت : فما تقول : أيما أفضل أدع بعض النافلة إشفاقا على الناس أن يعصوا اللّه فيّ ، أو أفعلها ؟ قال : إن في ذلك أغلوطة منك : أن تظنّ يعبد أنه يسئ بك الظن ويقع فيك ، فتدع العمل من أجل ذلك ، فقد جمعت خصلتين : أسأت به الظنّ ، وتركت ما يقرّبك إلى اللّه عز وجلّ . وقد تترك أيضا بعض الواجب لعلك أن تدع إتيان القرابة لخوف الممر بهم ، ولعلك ترى منه المنكر فتمتنع أن تأمره لأنه عندك لا يقبل ، ولم تعلم منه ذلك ، فتضيع ذلك الأمر ، وتسىء به الظن ، إلا أن يكون فاسقا متهتكا فذلك الظن به ، وقد يقبل مع فسقه . ويحاجك القارئ إذا أمرته فتدع كثيرا من الواجب والنافلة ، لئلا يعصي اللّه عزّ وجل فيك ، زعمت ، فإن كنت صادقا في زعمك فقد غبنت وأسأت الظن ، وإن لم تكن صادقا فإنما جزعت النفس من الذم ، فخيلت إليك أنها تريد الشفقة والنصح ، وأنت لم تشفق عليهم في غير ذلك ، لا تبالي في أن يعصوا اللّه في دنياك لا تدعها لهم ، وإن ظننت أنهم يعصون اللّه عزّ وجل ، ولا تغضب إن غضب عليهم ولا غير ذلك . وهذه الصفة التي تدعى صفة الأنبياء الأبدال الرحماء بالخلق ، فانظر هل